الشوكاني
430
فتح القدير
مفعول نعيد مقدرا يفسره نعيده المذكور أو مفعول لبدأنا وما كافة أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده وعلى هذا الوجه يكون أول ظرف لبدأنا أو حال وإنما خص أول الخلق بالذكر تصويرا للإيجاد عن العدم والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي لهما وقيل معنى الآية نهلك كل نفس كما كان أول مرة وعلى هذا فالكلام متصل بقوله يوم نطوى السماء وقيل المعنى نغير السماء ثم نعيدها مع مرة أخرى بعد طيها وزوالها والأول أولى وهو مثل قوله ولقد جئناكم فرادى كما خلقناكم أول مرة ثم قال سبحانه وعدا علينا إنا كنا فاعلين انتصاب وعدا على أنه مصدر أي وعلينا وعدا علينا إنجازه والوفاء به وهو البعث والإعادة ثم أكد سبحانه ذلك بقوله إنا كنا فاعلين قال الزجاج معنى إنا كنا فاعلين إنا كنا قادرين على ما نشاء وقيل إنا كنا فاعلين ما وعدناكم ومثله قوله وكان وعده مفعولا ولقد كتبنا في الزبور الزبر في الأصل الكتب يقال زبرت أي كتبت وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل وعلى كتاب داود المسمى بالزبور وقيل المراد به هنا كتاب داود ومعنى من بعد الذكر أي اللوح المحفوظ وقيل هو التوراة أي والله لقد كتبنا في كتاب داود من بعد ما كتبنا في التوراة أو من بعد ما كتبنا في اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون قال الزجاج الزبور جميع الكتب التوراة والإنجيل والقرآن لأن الزبور والكتاب في معنى واحد يقال زبرت وكتبت ويؤيد ما قاله قراءة حمزة في الزبور بضم الزاي فإنه جمع زبر وقد اختلف في معنى يرثها عبادي الصالحون فقيل المراد أرض الجنة واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض وقيل هي الأرض المقدسة وقيل هي أرض الأمم الكافرة يرثها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأمته بفتحها وقيل المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله سبحانه وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها والظاهر أن هذا تبشير لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوراثة أرض الكافرين وعليه أكثر المفسرين وقرأ حمزة عبادي بتسكين الياء وقرأ الباقون بتحريكها إن في هذا لبلاغا أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه لبلاغا لكفاية يقال في هذا الشئ بلاغ وبلغة وتبلغ أي كفاية وقيل الإشارة بقوله إن في هذا إلى القرآن لقوم عابدين أي مشغولين بعبادة الله مهتمين بها والعبادة هي الخضوع والتذلل وهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورأس العبادة الصلاة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين أي وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والعلل أي ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين قيل ومعنى كونه رحمة للكفار أنهم آمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال وقيل المراد بالعالمين المؤمنون خاصة والأول أولى بدليل قوله سبحانه وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ثم بين سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد إن كانت ما موصولة فالمعنى أن الذي يوحى إلي هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادها وإن كانت ما كافة فالمعنى أن الوحي إلى مقصور على استئثار الله بالوحدة ووجه ذلك أن القصر أبدا يكون لما يلي إنما فإنما الأولى لقصر الوصف على الشئ كقولك إنما يقوم زيد أي ما يقوم إلا زيد والثانية لقصر الشئ على الحكم كقولك إنما زيد قائم أي ليس به إلا صفة القيام فهل أنتم مسلمون منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه فإن تولوا أي أعرضوا عن الإسلام فقل لهم آذنتكم على سواء أي أعلمتكم